سوسيولوجيا المدرسة | المدرسة كفضاء لإعادة الإنتاج

سوسيولوجيا المدرسة | المدرسة كفضاء لإعادة الإنتاج


يتمثل دور المدرسة كفضاء وكمؤسسة في تحقيق الاندماج الاجتماعي ؛ حيث يفيد "مارتوشیلی Martucelli" في هذا الصدد، أن مسألة الإندماج الاجتماعي حظيت بأولوية تحليلية من دون منازع، في ظل جل النماذج السوسيولوجية، وقد شكلت المدرسة دعامة لها ؛ ذلك أن وراء دورها المتجسد في تحويل المتعلمين إلى أفراد منتجين بالنسبة للمجتمع، يفترض أن تضطلع بدور أكثر عمومية على مستوى التنشئة الاجتماعية والإدماج. بالرجوع إلى هذه الوظيفة الشمولية  للمدرسة، يتم السعي إلى فهم واستيعاب طريقة اشتغالها، والكشف عن إسهامها الفعلي في إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية..

1. إعادة إنتاج قيم مشتركة :

هنالك منحى يندرج في إطار امتداد لأطروحة دور کایم، ويفيد أن الوظيفة الأساسية للمدرسة تتمثل في تلقين المتعلمين القيم الأخلاقية التي تشكل لحمة المجتمع ؛ غير أنه إذا كانت التنشئة الاجتماعية المدرسية تعني التربية الأخلاقية قبل كل شيء، فهي تفيد أيضا ما يؤدي إلى إنتاج أفراد مستقلين، منعتقين من قبضة الوسط الأصل، وبمقدورهم صياغة أحكامهم الخاصة من جهة أخرى، يتمثل دور المدرسة، حسب رأي الباحث السوسيولوجي الأمریکی "بارسون Parson"، في تلقين المتعلم القيم الأداتية valeurs instrumentales السائدة في المجتمع ؛ وهو ما يعني حسن المصلحة الجماعية وطابعه الأولوي بالنسبة للرغبات الفردية. كما تسعى المدرسة للدفع بالمتعلم إلى استدخال القيم المهيمنة، أي ما هو جميل وحسن ومشروع داخل المجتمع ؛ حيث يتعلم الفرد على الخصوص تثمين منطق الإنجاز الفردي، والاقتناع من باب البداهة أن الانتقاء المدرسي والاجتماعي يتأسس على مقاییس عقلانية للكفاءة.

2. إعادة إنتاج علاقات اجتماعية صراعية :

في ظل هيمنة النظام الرأسمالي، تمثل المدرسة جهازا إيديولوجيا للدولة ؛ وهو المفهوم الذي أشار إليه لوي ألتوسير Louis Althusser، والذي يوزع الأفراد على مختلف مواقع التقسيم الاجتماعي للعمل. إن المدرسة تلقن التلاميذ الإيديولوجيا البورجوازية، التي تعدهم وتخضعهم لمصيرهم الاجتماعي ؛ وفي هذا الصدد، يفيد كل من بودلو وإستابلی Baudelot et Establet أن المدرسة التي ما فتئت تعتبر نفسها موحدة، وتتبنى المساواة وديمقراطية الاستحقاق، هي في واقع الأمر تقسم كل جيل إلى ما هو مندور إليه بفعل أصله الاجتماعي، إلى الالتحاق بالطبقه البورجوازية أو البروليتاريا التي ينحدر منها.

في مجال السوسيولوجيا، وحسب الباحثين من أمثال بولز Bowles وجنتیس Gintis لا يتم تبرير النجاح المدرسي والمهني بصفة تامة بكفاءات الأفراد، وإنما أيضا بشخصيتهم. ومن تم فإن المدرسة تقوم بقولبة شخصية التلاميذ الذين تلقنهم قيما وحسن تواجد Savoir étre ملائمة لدورهم الاجتماعي المسبق.

1.2. المدرسة عامل لشرعنة التراتبيات :

يتمثل طابع صراعي ثاني في النظر إلى اشتغال المدرسة بنوع من الاستقلالية بالنسبة لعالم الإنتاج، من حيث أن المدرسة تتموضع في الحقل الثقافي وفي مجال القيم والدلالات. في هذا الصدد، يؤكد "ماكس فيبر Max Weber" أن علاقات القوى المتواجدة في كل مجتمع، ينبغي لها كي تضمن طابع الاستدامة، أن تتميز بتبرير رمزي، يتجلى في محاولة الفاعلين الاجتماعيين لجعل وضعيتهم الخاصة قابلة للفهم والقبول ؛ ويتعلق الأمر على وجه الخصوص بتعلمهم إعطاء معنى للفوارق الاجتماعية من خلال استدخال تراتبية لقيم أو لمعايير تصنیف، تمكن من تحديد الأشخاص الذين من شأنهم شغل وضع هيمنة داخل المجتمع بصفة مشروعة ؛ ونعني بذلك المجتمعات المتواجدة في موقف قوة، وهي التي تقوم بتحديد هذه القيم وهذه المعايير، وتحاول فرضها على أساس أنها تحظى بشرعية جوهرية.

تشكل المدرسة عاملا لهذا الغرض ؛ ومن ثم، فهي لا تقوم بانتقاء الأفراد الأكثر كفاءة، وإنما أولئك الذين يتناسبون بشكل أفضل مع المعايير الخاصة للجماعة المهيمنة ؛ ومن ثم، فإن الانتقاء المدرسي يشبه اختیارا للأنسب أكثر منه منافسة ؛ ومن هنا، لا غرابة في كون أطفال هذه الجماعة المهيمنة، هم من ينجح بشكل أفضل.

اعتمد كل من "بوردیو Bourdieu وپاسرون Passeron" من جهتهما على مفهوم الوريث Heritier، سعيا إلى بلورة رؤية فيبر ؛ وقد أكد الباحثان أن علاقة الهيمنة لا تنحصر في الدائرة الاقتصادية ؛ بل وتندرج كذلك في إطار عنف رمزي تتم ممارسته من خلال الأفكار والقيم والميولات، ويدفع بالمهيمن عليهم إلى الانخراط في مبدأ الهيمنة عليهم. في ظل هذه السيرورة، تلعب المدرسة دورا حاسما ؛ ويبين الباحثان في مؤلفهما "Les heritiers (1964)" تحليلا للفوارق الاجتماعية على مستوى ولوج الجامعة والنجاح في الدراسة بها ؛ وبشكل أوسع، ولوج المدرسة، من خلال إعطاء الامتياز لآليات من النوع الثقافي على الإكراهات الاقتصادية ؛ وبناء على رأس الماس الثقافي الذي يتوفر عليه الأطفال المنحدرون من أوساط ميسورة، الأمر الذي يوضح بشكل أوسع أن الموروث الثقافي هو الأكثر حسما على مستوى النجاح الدراسي.


تعليقات