التربية الحديثة ما بين المنطقية والتناقض

 التربية الحديثة ما بين المنطقية والتناقض :.


    لقد تبلور مشروع التربية الحديثة خلال عصر الأنوار ؛ وذلك في إطار إعادة نظرة شاملة لرؤية العالم ولتصور التربية، اللذين كانا سائدين منذ القرون الوسطى، واللذين لم تعمل النهضة على إزاحتهما كليا، ويتعلق الأمر بـ :

  • رؤية سكونية لعالم مستقر ومنظم منطقيا : بحيث يعلن عن قواعده ضمن متن من النصوص، مقدس و مراقب من طرف الكنيسة.
  • تصور سوكولائي للتربية : ناتج عن هذه الرؤية طبعا ؛ حيث يعني التكوين، التعرف على هذه النصوص المتضمنة للمعارف، وحفظها وتأكيد وجاهتها عبر أمثلة أو تمارين.

    تبعا لملاحظة "هاملين Hamelin"، فإن الإيديولوجيا الحديثة، قد تشكلت في القرن الثامن عشر على أساس ثلاثة مبادئ متناقضة، ستصبح تدريجيا تحت تأثير الثورة والتطورات الاقتصادية والسياسية للقرن التاسع عشر بدیهیات بالنسبة لأغلب منظري التربية. فهنالك مفهوم تقدم المعارف الذي يشهد عليه تطور العلوم والصناعة، والذي يتصادف مع تقدم الإنسان في كفاحه الدائم ضد الجهل وإكراهات الطبيعة. وهنالك مبدأ قابلية الأطفال للتربية وبشكل أوسع قابلية المتعلمين، والتي تعني أن هؤلاء يتوفرون على الموارد الضرورية للمشاركة في حركة بناء المعارف هاته. وهنالك أخيرا مبدأ الديمقراطية المساواتية، والذي يفيد أن بإمكان كل مواطن أن يجد في التربية وسيلة تنمية استقلاليته الخاصة، وبالتالي المشاركة في تزايد التماسك الاجتماعي.

    غير أنه وتبعا لتأكيد نفس الباحث، فإن هذه المبادئ قد أثارت على الفور تساؤلات ومقاومات، بل ومبادئ مضادة صريحة. صحيح أن الأمر يتعلق بتقدم المعارف ؛ لكن هل يعنی ذلك تقدم الإنسان ؟ وهل سيعتبر هذا الأخير من جراء ذلك هو الأفضل ؟ وقد يكون من الممكن الحديث عن قابلية التربية ؟ ؛ لكن الاستعدادات الأولية للمتعلمين مختلفة وتبدو مؤسسة وراثيا. وفضلا عن ذلك، فإن التجربة المدرسية ستظهر كيف أن نسبة هامة من الإكراهات تكون ضرورية للتربية وللتعليم. وقد يتم الحديث عن الدَّمَقرطة ؛ لكن يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن المجتمع يظل غير عادل اقتصاديا، وأن ما يمكن فعله، هو تهييء كل واحد كي يجد مكانه المحدد اجتماعيا بشكل مسبق وليس بشكل عادل .

    إن الأنظمة التربوية التي وضعتها الدولة، ما بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تحمل في الآن نفسه علامة الإيديولوجيا التحديثية والمقاومات الناجمة عن الوقائع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وبتطبيقها للنماذج العليا الحديثة، فإن البنيات المدرسية شكلت ميدانا للتوحيد والتعميم، سيضمن مبدئيا إمكانة توفر كل مواطن على تكوين أساسي وعلى حرية انتقال إلى مستويات دراسية عليا وإلى الجامعة.

    من جهة أخرى، فإن برامج المدرسة الإلزامية قد تم تصورها ضمن منطق يجمع بين أهداف التعلم (نقل المعارف الجماعية الأساسية) وبين أهداف التربية أي تكوين الأشخاص المستقلين والمستعدين للإندماج داخل شبكات قيم المجتمع. وأخيرا، ستوضع آليات التنظيم والتقويم التي ستؤدي إلى توزیع شواهد المراقبة من قبل الدولة، والتي تمنح لكل فرد وضعا مدرسيا مستقلا عن وضعه السوسيواقتصادي والثقافي الأصلي.

الأهداف العامة للتربية الحديثة:

    في هذا الصدد نفسه، أدت المعطيات المذكورة إلى انبثاق مشاكل وآليات متنوعة، تجلت عبر تقليص إن لم نقل إلغاء الأهداف العامة للتربية الحديثة ؛ وهي أهداف معروفة نذكر فيما يلى بأهمها :

  1. في نفس الوقت الذي تتكفل فيه الدولة بالأنظمة المدرسية، فإنها تهدف إلى تكوين مواطنين متكيفين مع واقعها، أي مع نظام سوسيو اقتصادي غير عادل، يولد تمثلات جماعية للإنسان، تعتبر هي نفسها غير مساواتية.
  2. تظل خصائص قابلية المتعلمين للتربية في الواقع غير مستثمرة، لأن الإيديولوجيا الجماعية تقاوم دوما، المثال القديم، الذي مفاده أن المدرس قد تعلم منذ الصغر، لأن التعرف على هذه الخصائص تقنيا يظل إشكاليا ؛ ولأن تواترا لا حل له، يظل قائما بين أهداف تحقيق الذات وأهداف التكيف مع المجتمع كما هو موجود.
  3. تظل مناهج التكوين متشبعة بالتقليد السوكولائی، المتمثل في التدريس الشفوي القائم على المواجهة، والتعلم عن طريق التذكر والاستنتاج والتمارين التطبيقية.
  4. ينتج عن طبيعة العمليات المقترنة بالتقويم ومنح الشواهد، إعادة الأنظمة المدرسية لإنتاج اللامساواة الاجتماعية ؛ ويرجع ذلك إلى كون المعارف المدرسية تتوفر على نسبة من التقادم التي لا مفر منها ؛ ولأن القدرات التي تشكل رهان النجاح الاجتماعي الحقيقي، تكتسب في الغالب خارج هذه المعارف. ويمكن تحليل موجات الإصلاحات ومشاريع إعادة التوجيه التي توالت خلال القرن العشرين، كمحاولات لتصحيح هذا الوضع من اجل تحقيق أهداف التربية الحديثة في أخر المطاف.

    ضمن هذه العملية، تندرج مرافعة البيداغوجيين الجدد عند بداية القرن العشرين من أجل تحويل الأنظمة السوسيو سياسية والتمثلات عن طريق التربية ؛ وكذلك المجهودات المبذولة من أجل تطوير المناهج البيداغوجية المؤسسة على قدرات الفعل وعلى منطق المتعلمين.

    ساهمت في الآونة الأخيرة وبنفس الفعالية، كل من الانتقادات الموجهة للحياد الاجتماعي للمعارف ومحاولات تجاوز عقم البرامج المدرسية ؛ وأخيرا الدراسات المتعلقة بتأثیرات الإشكالية، كمقابل العمليات التكيف التي تمارسها سيرورة الوساطة القائمة بالفصل الدراسي. ويبدو أن منطق الكفايات يندرج ضمن حركة التكيف المستمرة هاته ؛ لأنه يقترح فهما لقدرات المتعلمين المرتبطة بشكل ضئيل بضبط المعارف الصورية أو المدرسة، والتي نعلم بأنها تساهم بالكاد في التعبئة الاجتماعية. لكن يبدو أيضا أنها تصدر عن حركة مضادة، لبرالية جديدة، لا مبالية بأهداف الدمقرطة والتنشئة الاجتماعية، والتي تهدف أساسا إلى تكوين أفراد قادرين على إبراز فعاليتهم، ضمن وضعيات الشغل المتحولة باستمرار. ولفهم رهانات هذا المنطق المعلن خلال القرن الحادي والعشرين، فإن تحليل أصل ووضع مفهوم الكفاية أضحى أمرا لازما.


تعليقات