انفتاح المدرسة على المحيط | المدرسة والمحيط والانفتاح

انفتاح المدرسة على المحيط | المدرسة والمحيط والانفتاح 


  • مدخل :

في ظل ما يعرفه مآل المنظومة التربوية المغربية من أشكال الهدر والتسرب والانقطاع الدراسي، وتزايد جحافل المعطلين من المتخرجين وحملة الشواهد العليا، عمد مشروع الإصلاح التربوي إلى محاولة اعتماد مقاربة شمولية لواقع التعليم ببلادنا ؛ وهو ما تجسد في دعوة الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى انفتاح المدرسة على محيطها، بهدف تأهيلها وجعلها رافعة للإسهام في النمو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للمجتمع المغربي ؛ غير أن السؤال الذي يطرح ذاته هو : هل تبقى مهمة هذا الانفتاح على عاتق المؤسسة المدرسية بمفردها، أم أن الأمر يتعلق بمسؤولية مشتركة ما بين مختلف الفاعلين في المجتمع ؟. 

1. مفاهيم ودلالات مثلث المدرسة والمحيط والانفتاح :

تتأرجح المدرسة ما بين ثلاثة مفاهيم متداولة ؛ فهي كمفهوم مجرد في المقام الأول، تحيل على كونها مجتمع مصغر أو مؤسسة اجتماعية وتربوية ؛ وهي أيضا مفهوم مرادف للنظام التربوي على حد تعبیر "بودلو وإستابلی Baudelot et Establet" ؛ وأخيرا، تشكل المدرسة مفهوما مشخصا وواقعيا، بمعنی مؤسسة معينة وملموسة من حيث صفتها، كالروض مثلا أو المدرسة الابتدائية أو الثانوية أو الجامعة.

يحيل المفهوم الراهني للمدرسة، على أنها مؤسسة اجتماعية، تقدم خدمة عمومية تتمثل في تدبير وتنظيم التكوين الأساسي لأفراد المجتمع. 

فيما يتعلق بمفهوم المحيط، تجدر الإشارة أولا إلى أن البنية لا تصير منظومة أو نسقا إلا إذا أصبح لها محيط ترتبط به بعلاقات مباشرة، وتستمد منه مادتها وطاقتها الإنتاجية. وباعتبار المؤسسة التعليمية تشكل منظومة، فمحيطها يتمثل في كل ما يقع خارج حدودها ولكن هناك تفاعل دینامی بینهما ؛ وبمعنى آخر، فمحيط المدرسة هو مجموع التشكلات الخارجية التي أنساقا متفاعلة، منفردة كانت أم متحدة. يبقى أن نميز ما بين مفهوم الوسط وهو المحيط القريب من المؤسسة المدرسية، بمعنى الوسط التعليمي، ومفهوم البيئة، وهو المحيط بمعنى أوسع وأشمل. يحدد الميثاق الوطني للتربية والتكوين مفهوم المحيط المباشر للمدرسة في كل ما هو محلي وجهوي ووطني ؛ بينما يصف المحيط غير المباشر للمدرسة فيما هو عالمي وكوني، نظرا لما يقتضيه الاتجاه العولمي الراهن من انخراط المجتمع في المحيط الدولي عبر الانفتاح على الآخر والتعايش معه.

يحيل واقع المنظومة التربوية في الوقت الراهن على مسألة انفتاح المدرسة على محيطها الطبيعي والاقتصادي والثقافي ؛ وتختلف المقاربة بهذا الشأن ؛ إذ يتواجد تصوران، يلتقيان في عمق وجوهر المسألة، بالرغم من الاختلاف المتجلي في كيفية التحليل والترصد لحيثيات كل من المنظورین.

    ينبري التصور الأول، للدفاع عن ضرورة انفتاح المدرسة على محيطها الاقتصادي والثقافي والاجتماعي ؛ ذلك أن كل نظام تعلیمی تربوي، يسعی بحكم دينامية العلاقات بين مكوناته وتفاعله مع محيطه، إلى أن يطور ذاته ويبحث عن أنجع السبل ليحقق كفايته الداخلية والخارجية؛ غير أن عملية التطوير غالبا ما تقتضي من هذا النظام، أن يعيد النظر في البعض من غاياته ومقاصده وآليات اشتغاله ومبادئ تنظيمه ؛ حتى يصير قادرا على مواجهة التحديات التي يطرحها عليه محيطه. من ضمن المشكلات الكبيرة التي قد تعترض نظاما تعليميا معينا، مشكلة التوازن ما بينه وبين محيطه، وهي مشكلة تفضي إلى استقصاء الإمكانات التي يتوفر عليها هذا النظام للتكيف مع محيطه. في هذا السياق، تمثل المؤسسة المدرسية الأداة الأساسية التي تيسر للنظام التربوي سبل هذا التكيف ؛ فبقدر ما تكون المؤسسة المدرسية منفتحة على محيطها، وقادرة على تدبير علاقاتها به بكيفية تجعلها تستجيب لمتطلباته من جهة، وفاعلة فيه من جهة ثانية؛ يكون النظام التربوي أكثر قدرة على تحقيق كفايته الداخلية والخارجية على حد سواء.

من هذا المنظور، طرحت ببلادنا مسألة انفتاح المدرسة على المحيط القروي وتكيفها معه، من خلال البحث عن السبل والإجراءات العملية الكفيلة بإدماج المدرسة في محيطها القروي تمیز فضاء القرية بولوج المدرسة، مشفوعا بعدة شعارات كتعميم التعليم ومحو الامية و العالم القروي ... ؛ وبالرغم من المجهودات التي بذلت في هذا الإطار، من حيث توفير البنيات الأساسية لتأمين خدمات التمدرس في الوسط القروي، لابد من الإقرار بمحدودية هذه الجهود في إطار درجة ملاءمتها لمتطلبات العالم القروي وحاجاته في مجالي التربية والتعليم ؛ وبمعنى آخر، ما هو التصور الذي يتعين تبنيه بخصوص نوعية المدرسة التي تلائم الوسط القروي، وما هي نوعية الخدمات والمهام التي ينبغي أن تؤديها ؛ خاصة وأن وظيفتها بهذا الوسط تحولت إلى قصد سلبي، تمثل في استنزاف القرى المغربية من رأسمالها البشري.

    يفيد الرأي الثاني، أن انفتاح المدرسة على محيطها يمثل وظيفة من ضمن الوظائف الطبيعية للمدرسة ؛ ومن تم، فهو يقر بتواجد أزمة تعاني منها المدرسة الحديثة ؛ وهي أزمة تتجلى في مظاهر عدة، ومن ضمنها المعيقات التي تحول دون تحقيق الهدف الرئيس الذي كانت تنشده هذه المؤسسة منذ فجر الاستقلال، والمتمثل في تخريج أطر لسد حاجيات الإدارة المغربية ؛ أما اليوم، فإن المدرسة تخرج أطرا وتؤهل طاقات تجد في انتظارها سوقا کاسدة لا تستوعبها برمتها، يحيل هذا الطرح، على أن المدرسة المغربية الراهنة صارت منغلقة على نفسها ومعزولة عن الواقع المحيط بها ؛ ومن ثم، فهي لا تأخذ بعين الاعتبار حاجات ومتطلبات المجتمع الاقتصادية.

لا ينبغي الإنكار أن المدرسة المغربية الحديثة قد نجحت في مسايرة مختلف أشكال التطور المعرفي والتربوي اللذين شهدتهما المدرسة الغربية ؛ إلا أن واقع الأمر، يؤكد أن هذا التطور لم يترجم بنفس الدرجة في محيط المدرسة المغربية ؛ مما يدل على انعزال هذه المؤسسة وتواجد اختلال جلي ما بين المدرسة والمجتمع، اختلال نجم عنه تخلف المجتمع عن مسايرة ركب النمو والتطور.

2. إشكالية الانفتاح :

باعتبار المؤسسة المدرسية منظومة، فلا يمكنها أن تحيا إلا من خلال انفتاحها على محيطها ؛ وحينما يطلب من المدرسة أن تنفتح على محيطها، وجب التساؤل بشأن طبيعة النسيج الاقتصادي والثقافة المجتمعية المغربية. يفيد الواقع المغربي أن % 30 من المقاولات هي مقاولات صغيرة ومتوسطة، فما هي إذن حدود استيعابها للكفاءات المتخرجة من المدرسة المغربية ؟ وحتی إن افترضنا قدرة بعضها على توفير الكثير من مناصب الشغل، فما الذي يضمن غياب هيمنة عوامل القرابة والحظوة والوساطة والعلاقات الزبونية ؟

إن نوع البطالة المتفشية في أوساط الخريجين، هو ما يصطلح عليه بالبطالة التنسيقية، أي البطالة الناجمة عن عدم ملاءمة شواهد الخريجين للمناصب الشاغرة في المقاولة ؛ وقد سبق الاتحاد الجامعات العربية أن أدرك هذا التمييز، حينما أشار إلى انعدام الترابط ما بين نظم التعليم ومخططات التنمية ؛ حيث يفيد في كثير من البلدان العربية، نجد أن النهج الذي يتبعه المخططون في التعليم يبدو غير ملائم ولا يتناسب مع احتياجات التنمية من القوى العاملة والأطر التقنية المسيرة ؛ وربما يعد هذا أحد الأسباب الرئيسة التي تشكل عائقا كبيرا يحول دون تمكن نظم التعليم من أن تكون أكثر تجاوبا مع حاجات التنمية. ونتيجة لهذا الوضع، نجد من جهة أن هناك فائضا كبيرا في أعداد الخريجين الذين يعانون من البطالة في بعض مجالات اختصاصاتهم ؛  ونلاحظ من جهة أخرى، أن هناك نقصا كبيرا في أنواع الخريجين الذين يحتاج إليهم المحيط في میادین أخرى. من البديهي أن هذه الملاحظات من شأنها أن تفضي إلى طرح إشكالية العلاقة ما بين السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعلمي والتعليمي في ظل سيرورة الإصلاح الراهن لمنظومة التعليم المغربية.


تعليقات